إخوان الصفاء

23

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ومثل عجزه أيضا عن معرفة كيفية تصوير الجنين في الرحم ، وخلقة الفرخ في جوف البيضة ، والحب في الغلف ، والثمر في الأكمام . ثم اعلم أن هذه الأشياء التي تدرك حسّا مفروغ من صنعتها ، فأما في وقت تكوينها فالحس لا يدركها والوهم لا يتصوّرها . فمن يريد أن يعلم كيفية حدوث العالم وعلّة كونه ، فينبغي أن يتفكر أولا في هذه الأشياء ، فيعلمها ويتصوّر كيفية حدوثها ، ثم بعد ذلك يتفكر في كيفية حدوث العالم وعلة كونه . فمن ادعى أنه يعرف ذلك ، فليخبرنا عن صورة العالم كيف هي على ما هي عليه الآن ، لأن حواسه هي تباشرها وتشاهدها ، ودع ما كان مضى مع الزمان الماضي لنسيانه عن ذلك ، أو الذي يكون في الزمان المستقبل كيف يكون . أو فليخبرنا عن علة كثرة الكواكب ، وعلة أبعادها ومقاديرها وأعظامها وحركاتها ، وما هي عليه الآن ، وما العلّة في ذلك . أو فليخبرنا عن المجرّة وما هي ، فإنا لم نجد إلى وقتنا هذا أحدا من الحكماء قد قال فيها قولا مرضيّا ، أو فليخبرنا عن شيء واحد وهو الأثر الذي نراه في وجه القمر ما هو ، والناس يشاهدونه دائما ، ودع ما لا يشاهدونه من كون العالم . أو فليخبرنا عن علة اختلاف أجناس المعادن ، وأشكال الناس ، وهياكل الحيوان بما هي عليه الآن ، وما العلة في ذلك . فصل ثم اعلم أنه ليس إلى معرفة علل هذه الأشياء وصول إلّا أن تؤخذ من الأنبياء ، عليهم السلام ، تقليدا كما أخذوها عن الملائكة تسليما . ثم اعلم أن نسبة علم البشر إلى علم الملائكة ومعرفتهم ، كنسبة علم حيوان البحر إلى حيوان البر ومعرفتها بأمورها ، وكعلم حيوان البر إلى علم البشر ومعرفته بأمورها . وذلك أن حيوان الماء لها حس وحركة وتمييز تتصرف فيها